أحمد ياسوف

456

دراسات فنيه في القرآن الكريم

فاللين هاهنا يمثل حركة بطيئة في نطق العبارات ، وفيه من الإيغال الحسي ما يحقق الغاية المنشودة لربط القول المسموع باللين اللمسي ، وفيه من التهذيب ما يدل على سمو أخلاق الدعاة الواثقين بدعوتهم . ومن هذا قوله عز وجل في تعليم المؤمنين آداب الزيادة : وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ [ النور : 28 ] ، لقد اختصر البيان القرآني كلّ ما يمكن أن يحدث لدى عدم الاستئذان من قبائح ومنكرات بكلمة « أزكى » . ومن اشتقاقات هذه المادة « الزكاة » التي تطهر النفوس وتحدّ من جبروتها ، وكذلك تشي كلمة « أزكى » بالزيادة والنماء ، وكأنما تصبح النفوس كاملة فيصبح الاستئذان طبع الكمّل ، والكمال مريح ، أما عكس التزكية وهو النقص فمنفّر مقزز ، وكأن الذي يخطئ هذا الخطأ يفقد شيئا من كيانه وجسده فيغدو منفرا ، هذا من إيجاءات الكلمة وفضاءاتها . وقد عني المعاصرون بجمالية التهذيب وفق منهج يختلف عن مختلف القدامى ، إذ لا نجد عناية بجلاء المصطلح البلاغي في سياق تأملهم الفني ، بل هم يعمقون الإحساس في تملّي الجمال القرآني . ويمكن أن نورد هنا نماذج مما ذكره المعاصرون ، ومن هؤلاء الدكتور محمد عبد اللّه دراز الذي تأمل بعض آيات سورة البقرة ، وصار يفسرها وفق منهج أدبي رفيع ، وكانت الآيات الكريمة من سورة البقرة تتحدث عن بني إسرائيل ، فتذكر النعمة ، ثم تذكر سفاهتهم عن موسى عليه السلام ، وعبادتهم العجل . يقول الدكتور دراز : « انظر إليه بعد أن سجّل على بني إسرائيل أفحش الفحش ، وهو وضعهم البقر الذي هو مثل في البلادة موضع المعبود الأقدس ، وبعد أن وصف قسوة قلوبهم في تأبّيهم على أوامر اللّه ، فتراه لا يزيد على أن يقول في الأولى : إن هذا ظلم « في الثانية » بِئْسَمَا [ البقرة : 90 ] ، أذلك كل ما قابل به هذه الشناعات ، نعم إنهما كلمتان